الهِجْرَةُ إِلَى الحَبَشَةِ وَحِصَارُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِلمُسْلِمِينَ

الشَّيْخُ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ -يَا أَبْنَائِي- أَنَّهُ حِينَمَا شَعَرَ سَادَةُ قُرَيْشٍ أَنَّ دَعْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ أَصْبَحَتْ خَطَراً عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَمَكَانَتِهِم؛ قَرَّرُوا اللُّجُوءَ إِلَى العُنْفِ وَالقُوَّةِ، وَقَامُوا بِإِيذَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ بِوَسَائِلَ عَدِيدَةٍ.
الهِجْرَةُ إِلَى الحَبَشَةِ

أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُجَنِّبَ أَصْحَابَهُ التَّعَرُّضَ لِلإِيذَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَطَلَبَ مِنْهُمُ الهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الحَبَشَةِ قَائِلاً لَهُم:
{لَوْ خَرَجْتُم إِلَى أرْضِ الحَبَشَةِ، فَإِنَّ بِهَا مَلِكاً لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجاً مِمَّا أَنْتُمْ فِيْهِ}.
الحَبَشَةُ: بَلَدٌ قَدِيمٌ فِي أَفْرِيقْيَا، كَانَتْ تَضُمُّ إِثْيُوبْيَا وَإِرِيتِرْيَا وَالصُومَالَ.
فَرَّجَ اللهُ الهَمَّ: أَزَالَهُ.
فَهَاجَرَتْ إِلَى الحَبَشَةِ مَجْمُوعَةٌ صَغِيْرَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ، تَضُمُّ اثْنَيْ عَشْرَ رَجُلاً وَأَرْبَعَ نِسَاءٍ، وَهَذِهِ هِيَ الهِجْرَةُ الأُولَى إلى الحَبَشَةِ، وَبَقُوا فِيهَا فَتْرَةً، ثُمَّ عَادُوا إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا أَنَّ قُرَيْشَاً قَدْ أَسْلَمَتْ.
لَكِنْ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى مَكَّةَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الأَمْرَ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَنَّهَا كَانَتْ شَائِعَةً غَيْرَ صَحِيحَةٍ، وَأَنَّ سَادَةَ قُرَيْشٍ مَازَالُوا عَلَى عِنَادِهِمْ وَمُحَارَبَتِهِمْ لِلدَّعْوَةِ الحَقَّةِ، فَحَدَثَتِ الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الحَبَشَةِ، حَيْثُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ خُفْيَةً عَدَدٌ أَكبَرُ مِنَ المَرَّةِ الأُولَى.
شَائِعَةٌ: خَبَرٌ شَائِعٌ، أَيْ: مُنْتَشِرٌ بَيْنَ النَّاسِ، وَغَالِباً لَا يَكُونُ صَحِيْحاً أوْ يَكُونُ مُبَالَغاً فِيْهِ.
مَعْلُومَةٌ مُفِيدَةٌ
عِنْدَمَا تَعَرَّضَ المُسْلِمُونَ لِلإِيذَاءِ مِنْ قُرَيْشٍ، لَمْ يَتْرُكُوا الإِسْلَامَ، بَلْ صَبَرُوا، حَتَّى طَلَبَ مِنْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ الهِجْرَةَ إلى الحَبَشَةِ.
فَالمُسْلِمُ يَتَمَسَّكُ بِدِينِهِ فِي كُلِّ الظُّرُوفِ.
مُلَاحَقَةُ قُرَيْشٍ لِلمُهَاجِرِينَ إِلَى الحَبَشَةِ

لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ أَصْبَحُوا يَنْعَمُونَ بِالأَمَانِ فِي أَرْضِ الحَبَشَةِ أَزْعَجَهُم ذَلِكَ، فَبَعَثُوا وَفْدًا إِلَى الحَبَشَةِ مُحَمَّلِينَ بِالهَدَايَا الثَّمِينَةِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ؛ لِيَطْرُدَ المُهَاجِرِينَ المُسْلِمِيْنَ مِنْ بِلَادِهِ.
لَكِنَّ النَّجَاشِيَّ كَانَ رَجُلاً حَكِيماً وَعَادِلاً، فَأَبَى أَنْ يَحْكُمَ بِشَيْءٍ إِلَّا بَعْدَ الاسْتِمَاعِ لِلمُسْلِمِينَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَحَضَرُوا، وَاسْتَمَعَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ف ، الَّذِي حَاوَرَهُ بِالحِكْمَةِ وَالعَقْلِ، فَقَالَ لَهُ: (أَيُّهَا المَلِكُ، كُنَّا قَوْماً أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ المَيْتَةَ، وَنَأْتِي الفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَيَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللهِ؛ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيْمِ، فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا؛ لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَلَّا نُظْلَمَ عِنْدَكَ).
أُعْجِبَ النَّجَاشِيُّ بِكَلَامِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَصَدَّقَهُ، فَرَدَّ النَّجَاشِيُّ الهَدَايَا إلَى وَفْدِ قُرَيْشٍ، وَالتَفَتَ إليهم قَائِلاً: اِنْطَلِقُوا إِلَى دِيَارِكُم، فَوَ اللَّهِ، لَا أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَداً.
الإِسْلَامُ يَأْمُرُنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ
حِصَارُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْرِبَائِهِ وَمُقَاطَعَتُهُم

فِي مَطْلَعِ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلبِعْثَةِ، لَمَّا وَجَدَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ جَمِيعَ مُحَاوَلَاتِهَا فِي التَّأْثِيرِ عَلَى صَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ وَثَبَاتِهِ فِي نَشْرِ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ قَدْ بَاءَتْ بِالفَشَلِ. وَبَعْدَ أَنْ وَجَدَتْ إِصْرَاراً مِنْ أقْرِبَائِه عَلَى حِمَايَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، اِجْتَمَعَ سَادَةُ قُرَيْشٍ، وَعَزَمُوا عَلَى اِتِّبَاعِ أُسْلوبٍ جَدِيدٍ فِي مُحَارَبَةِ دَعْوَةِ الإِسْلَامِ.
هَذَا الأُسْلُوبُ هُوَ مُقَاطَعَةُ وَحِصَارُ النَّبِيِّ ﷺ وأَقْرِبَائِه وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَتَعَاهَدُوا عَلَى أَلَّا يُكَلِّمُوهُمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ، وَلَا يَشْتَرُوا مِنْهُمْ، وَلَا يُزَوِّجُوهُمْ.
فَاضْطُرَّ المُسْلِمُونَ لِلبَقَاءِ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَهِيَ مَنْطِقَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَكَانَ المُشرِكُونَ قَدْ كَتَبُوا هَذَا العَهْدَ عَلَى صَحِيفَةٍ، وَعَلَّقُوهَا فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ.
بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مِنَ الحِصَارِ، لَاقَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ جَهْداً كَبِيْراً، وَجُوعاً شَدِيداً، حَتَّى إِنَّهُمُ اضْطُرُّوا إِلَى أَكْلِ أَوْرَاقِ الأَشْجَارِ وَقِشْرِهَا، أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى حَشَرَةً أَكَلَتْ هَذِهِ الصَّحِيفَةَ، إِلَّا ذِكْرَ اللهِ فِي بِدَايَتِهَا، وَهُوَ: (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ)، وَأَنْبَأَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ بِذَلِكَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ، فَخَرَجَ إِلَى أهْلِ مَكَّةَ، فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ ابْنَ أَخِيهِ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كَانَ كَاذِباً خَلَّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ، وَإِنْ كَانَ صَادِقاً، رَجَعْتُم عَنْ ظُلمِنَا.
فَلَمَّا أَتَوْا بِالصَّحِيفَةِ، وَجَدُوا الأَمْرَ كَمَا أَخَبَرَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ، فَلَمْ يَزِدِ المُشْرِكُونَ عَلَى قَوْلِهِمْ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَخِيكَ!
لَكِنْ رَأَى بَعْضُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ أَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوا الرَّحِمَ (أَيْ قَاطَعُوا أَقَارِبَهُم) وَاسْتَخَفُّوا بِالحَقِّ، فَاجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى نَقْضِ مَا تَعَاهَدُوا عَلَيْهِ، وَقَرَّرُوا رَفْعَ الظُّلمِ وَإنْهَاءَ الحِصَارِ.
بَاءَتْ بِالفَشَلِ: لَمْ تَنْجَحْ. جَوْفِ: يَعْنِي دَاخِل. جَهْداً: تَعَبَاً كَبِيْراً.
اِجْتَمَعَ أَمْرُهُمْ: اِتَّفَقُوا. نَقْضِ: إِلغَاء وَإِنْهَاء.
تَعَلَّمْتُ:
هَاجَرَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ إِلَى أرْضِ الحَبَشَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا المَلِكَ النَّجَاشِيَّ الَّذِي لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ.
رَفَضَ النَّجَاشِيُّ الاسْتِجَابَةَ لِطَلَبِ وَفْدِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ طَرْدَ المُسْلِمِينَ مِنْ بِلَادِهِ بَعْدَ أَنْ حَاوَرَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ف بِالعَقْلِ وَالحِكْمَةِ.
فِي السَّنَةِ السَّابعَةِ لِلبِعْثَةِ قَامَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بِحِصَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَقْرِبَائِهِ وَالمُسْلِمِينَ فِي شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ.
اِسْتَمَرَّ الحِصَارُ ثَلَاثَ سَنوَاتٍ، صَبَرَ فِيهَا الرَّسُولُ ﷺ وَمَنْ مَعَهُ عَلَى الظُّلمِ وَالجُوعِ.
حِصَارُ
قُرَيْشٍ لِلْمُسْلِمِينَ
اِخْتَبِرْ مَعْلُومَاتِكَ:
اِمْلَأ الفَرَاغَاتِ التَّالِيةَ بالكَلِمَاتِ المُناسِبَةِ:
حَاصَرَتْ............ النَّبِيَّ ﷺ وأقْرِبَاءَه والمُسْلِمِينَ فِي..............
أَرْسَلَ اللهُ تَعَالَى حَشَرَةً أَكَلَتْ............... إلَّا ذِكْرَ اللهِ (بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ).
الجَاهِلِيَّةُ: تَعْني حَيَاةَ الشُّعُوبِ قَبْلَ الإسْلَامِ، وَتُشِيرُ إلَى..............بِالدِّيْنِ.
أَجِبْ بِصَحٍ أَو خَطَأٍ ، وَصَحِّحِ الإجَابَاتِ الخَاطِئَةَ.
حَاوَرَ عَمْرو بْنُ العَاصِ مَلِكَ الحَبَشَةِ بِالحِكْمَةِ والعَقْلِ.
وَافَقَ النَّجَاشِيُّ عَلَى طَرْدِ المُسْلِمِينَ اِسْتِجَابَةً لِطَلَبِ وَفْدِ قُرَيْشٍ.
في الجَاهِلِيَّةٍ كَانَ النَّاُس يَأْكُلُونَ المَيْتَةَ، وَيَفْعَلُونَ الفَوَاحِشَ.
الحِصَارُ والمُقَاطَعَةُ أُسْلُوبٌ ظَالِمٌ اتَّبَعَهُ المُشْرِكُونَ حَتَّى يَتَراجَعَ المُسْلِمُونَ عَنْ دينِهِمْ.
فِيلمُ
السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ
الجَاهِلِيَّةُ: مُصْطَلَحٌ يَدُلُ عَلَى حَيَاةِ الشُّعُوبِ قَبْلَ الإسْلَامِ، وَيُشِيرُ إلَى جَهْلِهَا بِالدِّيْنِ.
الفَوَاحِشُ: هِيَ الذُّنُوبُ وَالأَفْعَالُ السَّيِّئَةُ. نَخْلَعُ: نَتْرُكُ. عَدَا: اِعْتَدَى.
الهِجْرَةُ إلَى الحَبَشَةِ
للمرافق: النص والصور من الكتاب
نُقلت الفقرات والجداول والرسوم من ملفات التصميم الأصلية عالية الدقة، وأُعيد ترتيب عرضها لتناسب الهاتف والحاسوب. ناقش أسئلة الكتاب مع الطفل، ثم انتقلا إلى خطوة «أجرّب».
حُفظ رسم الآيات بخطوط المصحف الأصلية، أو كرسوم متجهية واضحة حين كان النص مرسومًا في المصدر؛ لا يغيّر زر إخفاء التشكيل رسمها. قد لا يُنسخ هذا الرسم أو يُقرأ آليًا كنص عربي عادي. الزخارف غير التعليمية ليست جزءًا من النص المقروء، وتبقى صفحات الكتاب الأصلية متاحة للمقارنة.
